مؤيد الدين الجندي
514
شرح فصوص الحكم
عظيم يصغر بالنسبة إليه كل عظيم ، فإن كان مطلبه هو سرّ القدر من كيفية تعلَّق القدرة بالمقدور من قوله : * ( أَنَّى يُحْيِي هذِه ِ الله بَعْدَ مَوْتِها ) * « 1 » من طريقة الوحي والإخبار المعهود عند الرسل ، فقد طلبه من الوجه الذي لا يعطى ، فلا جرم ورد الجواب على صورة العتب الموهم عند من لا تحقّق له بحقائق المخاطبات الإلهية . قال - رضي الله عنه - : « وأمّا عندنا فصورته عليه السّلام في قوله هذا كقول إبراهيم « 2 » عليه السّلام في قوله : * ( [ رَبِّ ] أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى ) * « 3 » ويقتضي ذلك ، الجواب بالفعل الذي أظهره الحق فيه في قوله : * ( فَأَماتَه ُ الله مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَه ُ ) * « 4 » فقال له : * ( وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً ) * « 5 » ، فعاين كيف تنبت الأجسام معاينة تحقيق ، فأراه الكيفية ، فسأل عن القدر الذي لا يدرك إلَّا بالكشف للأشياء في حال ثبوتها في عدمها ، فما أعطي ذلك ، فإنّ ذلك من خصائص الاطَّلاع الإلهي ، فمن المحال أن يعلمه إلَّا هو « 6 » ، وقد يطلع الله من شاء من عباده على بعض الأمور من ذلك . واعلم : أنّها لا تسمّى مفاتح إلَّا في حال الفتح ، وحال الفتح هو حال تعلَّق التكوين بالأشياء ، أو قل - إن شئت - : حال تعلَّق القدرة بالمقدور ، ولا ذوق لغير الله في ذلك ، فلا يقع فيها تجلّ ولا كشف ، إذ لا قدرة ولا فعل إلَّا لله خاصّة ، إذ له الوجود المطلق الذي لا يتقيّد » . قال العبد : علَّل - رضي الله عنه - نفي العلم بتعلَّق القدرة بالمقدور ذوقا عن غير الحق ، وأثبته لله خاصّة بقوله : « إذ له الوجود المطلق » لأنّ الوجود المطلق الحقيقيّ لا يتقيّد بعين دون عين ، ولا تحقّق دون خلق ، ولا تعيّن دون حقّ ، فإنّه في الحق المطلق عينه مطلقا كذلك ، وفي الحقائق الغيبية العينية العلمية عينها ، وفي الإله عينه ، فهو القدير الذي تتعلَّق قدرته بالمقدورات وعين المقدورات المقدّرة بالفعل والانفعال والتأثير والتأثّر الذاتي من نفسه لنفسه في نفسه ، فلا بدّ أن يختصّ به ذوقا ، ولا قدم لعين معيّن
--> « 1 » البقرة ( 2 ) الآية 259 . « 2 » في بعض النسخ : كصورة إبراهيم . « 3 » البقرة ( 2 ) الآية 259 و 260 . « 4 » البقرة ( 2 ) الآية 259 و 260 . « 5 » البقرة ( 2 ) الآية 259 و 260 . « 6 » في بعض النسخ هذه الإضافة : فإنّها المفاتح الأوّل ، أعني مفاتح الغيب التي لا يعلمها إلَّا هو .